الأربعاء، 26 يونيو 2019

العمق الفراغي في الصورة السينمائية بين بيلا تار ونيخولاس جيرهالتر

العُمق الفراغي في الصورة السينمائية
الفيلم الطويل نموذجا
(بين مفهوم بيلا تار _ و _ نيخولاس جيرهالتر)
بقلم: الكاتب السيناريست هيثم سليمان
@haitham.sulaiman
Scriptcut.blogspot.com

" نحن نتتبع العمق النفسي الواقعي، وليس القصة أو المعلومات المعطاة عبر الحوارات ويبقى السؤال هو كيفية خلق العمل داخل نفس الانسان المشاهد.". في مقولته الشهيرة هذه يأخذنا المخرج الهنغاري فنان اللقطات الطويلة بيلا تار عبر أحدوثة متطرفة قومها الصورة التي ينظر اليها العمق لا كاميرا المصور. انه العمق الفراغي في الصورة السينمائية الذي يجتاح بكرة دماغ المخرج حتى يتلف تقمصه لدوره الرئيس ويتماهى مع المكان والشخصية من حوله بصمت.
هل جربت ان تصور فيلما جميع مشاهده خارجيه دون ان تضع ديكوباجية مع سبق الإصرار والترصيد لتخطيط النهار او الليل او حالة الجو وتركت كل هذا لتقرره الطبيعة وتسخر الشخصيات والقصة لتكون تحت جبروته؟ ما هو الحوار الذي تستقيه من المكان والزمان دون أن تفكر في خلقه أو صنعه وتنميقه ليتناسب مع إطار القصة وسير الأحداث؟

إن الفراغ الغير المحسوس الذي يؤدي الى العمق المحسوس في الصورة السينمائية هو التأثيث الأسمى الذي تمتاز به السينما المستقلة عبر تاريخها الطويل الذي يتشعب بين عناصر النوعية الفلمية من تجريبي وروائي.  في فيلم تناغم وريكمنستر يقودنا بيلا تار فراغيا حسيا عبر لقطات فيلمه في مشاهد تعبث بسرعة الزمن لتتحول الصورة الى جماد بطيء الحركة أقرب الى اللوحة المرسومة دونما قصد وتجر عقولنا والمخيلة الى بعد أخر نستشف فيها العمق الذي نرى من خلاله الشخصية والمكان الذي تتحدث تفاصيله إلينا. قد تكون الدمعة التي تنزل من عيني أرملة منكوبة الحظ تنتظر بصيصا من أمل في جند قادم وقت الشتاء محمل بأدران الحروب، قد يكون كلبا يدس انفه في مستنقع أسن على شوارع مدينة تغتالها الفاحشة والديانة في أن واحد. أو قد تكون واد عميق جاف عميق لا يتحرك ما عليه إلا قطرات من المطر.


كيف يشعر المخرج عندما يقف في مساحة فارغة ويتحدث اليها. ما الذي يتوقع ان يسمع أو أن يحس ويتعاطى مع. وكيف يمكن له ان ينقل عظمة الزحمة في الفراغ الذي أحس به للمصور لكي يشعر به ويتعاطى معه أيضا. بل كيف يشعر الكاتب وهو في غيوبة الموت التأليفية عندما ينغمس في طقوسه الخاصة يضاجع الصورة قبل تكوين الشخصية ورسم القصة ليخرج من بئر الصمت بحراك قوامه كل شيء داخل الكادر لينتج نصا لا نقرأه بأفواهنا بل بحواسنا. إن ميكنة الخلق التصوري لدى كل من السيناريست والمخرج هي عملية روحانية فكرية معقدة قل ان نرى مثيلها. حيث تجتمع الروح والفكرة في صندوق واحد مقفل. لنا أن نرى فيلم فراولات برية للعملاق انغمار بيرغمان لنشاهد ذلك الفن الذي يطلق عليه الفن السينمائي البطيء حيث تتسع مدارك الحواس وشاعرية الروح في قالب جاف صلف كخروج النبتة من قلب الصخر.
وعند الحديث عن فن السينما البطيئة لابد أن نذكر هنا الرائع الفذ المخرج النمساوي نيخولاس جيرهالتر عبر سلسلة أفلامه التوثيقية التي تذهب بعيدا في هذا الفن. عندما نتأمل فيلم في مكان ما انتاج عام 2001 وفيلم بريبيات انتاج عام 1999 نرى ونشعر بذلك التمهل الشديد الذي يقول لك، أي شيء حول الشخصية هو شخصية فعلا. المنطوق ليس الحوار ولا صوات المؤثرات ولا حتى حفيف ثوب البطل أو اهتزاز قرط البطلة وإنما ذلك الفراغ المصحوب بتمهليه عالية مقدسة تكس بالمجود شكلا وحسا تراه كمشاهد فطن.

وأنت تكتب نص فيلمك، الصوت له فراغ، والمكان له فراغ والشخصية لها فراغ بينما يتوار ما تبقى خجلا. أن ترسم نصا بمثابة أن تخلق ما لا تراه إلا أعين الفنان وأن تكسر توقعات القارئ كسر النظرية النسبية لأينشتاين وانسلال الثقوب البصرية لعدسات ابن الهيثم لتغوص في عمق الروح التي نتوق جميعا الى تفكيك طلاسمها عبثا. فما بعد الفراغ في الصورة من سلطان ولا بعد الشعور بها من مسيطر.







السبت، 16 فبراير 2019

زيانة.. الفيلم الذي لم يحمل إسمه، المخرج الذي لم يجلس على كرسيه



زيانة .. الفيلم الذي لم يحمل إسمه, المخرج الذي لم يجلس على كرسيه.

أكره كثيرا الدخول في مقدمات لابد منها ولكن ينبغي ذلك ربما لكي لا يذهب هذا الانطباع ( يمكنكم أن تسموه تحليلا) في دوامة التأويلات التي يتقاذفها هذا وذاك في مختلف الأمكنة والمنصات الالكترونية المختلفة لا سيما وأن هذا الانطباع في طريقه ليكون في مدونتي الالكترونية السينمائية قبل أن يجف حبر كلماته.. لنفعلها معا.. على الأقل تبرئة للذمة... على الأقل.

بعد سلسلة من التكهنات بموعد عرض فيلم زيانة أول انتاج سينمائي مشترك بين الهند وسلطنة عمان  من اخراج الدكتور خالد الزدجالي لا سيما بعد تساؤلات كثيرة عن امكانية الانتهاء من تصويره نضيف الى ذلك سحابة الحيرة التي تاخمت ترقب سبقه يتعلق بفيلم " الحارة" الذي اختفى ضبابيا من الجو بسبب مشاكل في أموره أنتاجية بين الطرفين العماني والهندي .نفس الفيلم الذي تم التصريح عبر الصحف انه أول انتاج سينمائي مشترك بين الهند وسلطنة عمان كذلك تضاف الى سلسلة التكهنات ما اذا كان فيلم زيانة سيشكل فارقة في مسيرة مخرج الفيلم بعدما شاهدنا له فيلمه الأول البوم(2006) وبتواجد المخضرم محمد كامل القيلوبي كمستشار فني للفيلم( والذي أكاد أجزم أنه ساهم في خروج الفيلم بتلك الطريقة الرائعة وليس وجود المخرج وحده) وشخوص فنية أخرى ساعدت في خروج الفيلم الى النور, ذاك الفيلم الذي احتوى وجود المشتغلين الهنود فنيا في مسيرة عمل المخرج مرورا بفيلمه الثاني أصيل (2012) والذي تم تصويره بين محافظتي مسقط والشرقية. وبعد كل هذه التكهنات حسم الأمر وتم عرض الفيلم فعلا. توجهت الى صالة عرض هادئة بعيدا عن الضجة التي واكبت العرض الافتتاحي للفيلم ولم يكن بصالة العرض سوى ثلاثة من الأجانب الهنود واثنين من العمانيين الشباب في وضع صحي وليد ينبغي أن يستمر ويكبر تكوينا لدعمنا جميعا للاشتغال السينمائي في عُمان , اشتري تذكرة واذهب لحضور فيلم عماني ( ليش لا يا أخي).

في حوالي 90 دقيقة من الزمن يحكي فيلم زيانة قصة عادل زوج زيانة ( وليس زيانة) ورحلته للعثور على زوجته بعد حدوث حادثة اخلاقية للزوجة المذكورة أدت الى اصابتها بتعقيد نفسي أفضى بها للسفر الى الهند للبحث عن علاج في أحد معاهد التأهيل هناك. تلك الرحلة التي واجه فيها عادل الصعوبات وقابل فيها عددا من الشخصيات فور وصوله الى الهند في سبيل تحقيق هدفه لتختتم بالعثور على الزوجة المنكوبة نفسيا.

حسنا هذه هي النظرة العامة للقصة ومنها سأنطلق بدهيا الى أول عنصر من عناصر الفيلم, السيناريو كوني كاتب سيناريو في المقام الأول. يمكن أن نلتمس العذر لكاتب سيناريو حاول اجادة كتابة سيناريو ما ثم قام غيره بإخراج الفيلم, لكنني شخصيا لن ألتمس اي عذر لكاتب سيناريو يشتغل على اخراج نص كتبه بيده. فيلم زيانة جاء نصا مشتركا بين الكاتب فيصل الزدجالي والكاتبة فاطمة السالمي والكاتب الدكتور خالد الزدجالي. نحن نتكلم هنا عن ثلاثة عقول اشتغلت على نص واحد , وأحد هذه العقول يفترض أن يحمل خبرة تراكمية في كتابة السيناريو لا سيما وأنه يقوم بتقديم ورش ونصح لكتاب السيناريو على مستوى السلطنة  وأعني هنا الدكتور خالد الزدجالي, لذلك بدهيا , يفترض بنا كذلك أن نتوقع نصا قويا بل ومنافسا كنتاج لهذا الاشتغال والمعرفة, لكن هذا لم يحدث قط. حالما تشاهد فيلم زيانة ستصعق تماما بأول عيوبه وربما أكبرها ألا وهو النص. هنالك أزمة نص واضحة جدا للعيان . اشتملت نقاط الضعف في النص بين الحوارات الركيكة المفتعلة - وان اتخذت الطابع القصير الذي نراه في السينما المستقلة والذي أحبه وافضله شخصيا – والتي جعلت نطقها على ألسن ممثلين وممثلات ليس لهم تمرس في التمثيل السينمائي وما رافقه من تطابق الحوار مع الصوت نكبة وضعفا واضحا. اسوق مع ضعف الحوار ضعفا عاما في تركيبة سير أحداث القصة بالفيلم.
هنالك خلطة سحرية لدى كل كاتب سيناريو يسمى بالبنية او التركيبة العامة لقصة للفيلم, تلك التركيبة التي تجعل من تدفق الأحداث ناعما سلسلا يمضي بمنطقية يصاحبها ايقاع التأثير على المشاهد وشده عبر مراحل القصة وبالإمساك بالخطوط الدرامية بإحكام اثناء سير القصة من مرحلة الى أخرى فيما يعرف بالفصول الثلاثة ( بداية- وسط- نهاية) . حاولت جاهدا وأنا كاتب سيناريو أن أضبط تلك التركيبة في سيناريو فيلم زيانة فلم أجد منفذا واضحا يدلني عليها فأصابني الإحباط. طابع الفيلم المغامرة أو الفيلم الرحلة هو طابع جميل ومثري وينقل المشاهد – ربما القارئ أولا- بين أحداث قصة الفيلم بين تشويق واثارة وفكرة وانسجام شعوري يتم تأسيسيه على أحداث منطقية تلازم القصة نفسها. لم أجد هذا الجمال في سيناريو فيلمنا العزيز هذا. فما بين بحث عادل عن زوجته (الذي اتسم بالافتعالية والركاكة)  وبين مراحل المغامرة التي يخوضها كان هنالك تخبط جلي أسهم في وضوحه عدم اتساق وقوة الخطوط الدرامية. هل أنا أتحدث رياضيات ؟ تحملوني إذن وأنا أصطحبكم في رحلة قصيرة في أهم الخطوط الدرامية لقصة فيلم زيانة.
في وقت تمنيت فيه أن أرى زيانة كشخصية رئيسة تشكل أحد اهم الخطوط الدرامية في الفيلم فوجئت بغيابها الشبه تام كشخصية محورية. من المعروف في عالم القصة أن نرى الشخصية الرئيسة في القصة تخوض صراعا ما تنتقل فيه من طور الى اخر في طريقها الى النضوج ويصحب ذلك الطريق الدخول في دهليز الضعف, الاكتشاف التحرر, الانتصار او الهزيمة اذن نحن لا نرافق شخصية سلبية في رحلة المغامرة هذه  ولكن للأسف هذا ما حدث مع شخصية زيانة في الفيلم كخط درامي, كانت زيانة شخصية سلبية طوال فترة الفيلم بل بالكاد نراها تتحدث واكتفينا برؤية صورة تحاول جاهدة - من خلال تمثيل الممثلة نوره الفارسية- أن ترسم ملاح شعورية لحجم المعاناة التي تعيشها داخليا. لم تكن زيانة بمثابة شخصية رئيسية بالنسبة لي وانما شخصية ثانوية ذات حضور اقترب من التكثيف الحضوري الصوري الصامت لإضافة نوع من التراجيديا الغير مقنعة أولا الغير مؤثرة ثانيا. نتساءل هنا هل انتبه كتاب السيناريو ان القضية هي قضية زيانة كامرأة ( ولقد تم التصريح عبر وسائل الاعلام أن الفيلم يسلط الضوء على جانب من قضايا المرأة) وأن أحداث القصة ابتدأت بها – حادثة التصوير والفضيحة- ثم وبقدرة قادر رمى كتاب السيناريو الثلاثة هذه الحقيقة والمبدأ الأساسي ليقدموا لنا شخصية ثانوية بثوب صامت وسلبي ليتم اللعب على خط درامي اساسي أخر هو خط زوجها عادل والذي لا بأس في جعله شخصية محورية مهمة. أتعجب لماذا سمي الفيلم باسمها حتى, كان من الممكن تسميته الطريق الى زيانة, أو البحث عن زيانة أو أي اسم أخر عدى هذه التسمية ! لم يكن هنالك أي تأسيس احترافي لزيانة كشخصية مهمة بالقصة. في الجانب الأخر نرى الحضور المكثف صوريا وصوتيا لزوجها عادل الذي أعتبره شخصيا بطل القصة (الوحيد) فنرحل معه في رحلة لطيفة قوامها الفكاهة والألم والصراع رغم ان القضية ليست قضيته ولم تبدأ به  وان كانت مشاهد الاسترجاع ( الفلاش باك) أدخلته بشكل بدهي في صلب القضية كونه زوج المغدور بها. حسنا ولنذهب الأن الى الخطوط الدرامية للشخصيات التي رافقت رحلة عادل ( المهلهلة الركيكة). أبرز سمة في جميع تلك الشخصيات هو غياب التأسيس لخطوطها. حيث لم نرى تأسيسا صحيحا واضحا للهندي الذي رافق عادل في رحلته وكذلك الحال في الشخصية التي أداها الفنان طالب محمد قياسا عليه شخصية الفتاة الهندية وحبيبها وأبيها ومدمن المخدرات الذي قام بدوره الزميل سلطان الأحمد . جميع هذه الشخصيات وجدت داخل القصة في ولادة قيصرية انتهت بموت التأثير . كيف يمكن أن يتجاهل كتاب السيناريو بناء تأسيس صحيح لخطوط مساعدة ومهمة كهذه , حتى أنني لم أجد اسقاطات للقصة الخلفية لكل خط من هذه الخطوط اللهم الخط المتمثل في شخصية مدمن المخدرات والذي اتى عبر حوار اتسم بالزخم الشعوري للحظات قصيرة لم تكن بالكافية بتاتا للمشاهد لينسجم معها شعوريا.
ثم نأتي الى المشاهد التي لم يكن لها نصيب من التأسيس الجيد في السنياريو ومنها مشهد محادثة مدير الكلية(المعهد) مع زيانة وزميلتها في المكتبه , جميع مشاهد الاسترجاع المتعلقة بحنين عادل الى زوجته والعكس, تقبل عادل لتعطل سيارته داخل الغابة بتلك السرعة , مشهد الفيل والهرب منه والذي اراه منفرا لا داعي له البتة, المشاهد التي تم الزج فيها بعدة قضايا مجتمعية بطريقة غير متسقة ولا تتواكب مع أحداث القصة بشكل جيد  ( منها الخط الدرامي للفنان طالب محمد الذي أرى أن وجوده من عدمه كشخصية في الفيلم وبشكل لا يغفله حتى مشاهد مبتدئ في مرحلة الاعدادية), المشهد الذي عرف فيه حبيب الفتاة الهندية أن هنالك شخصا اسمه عادل وهو يبحث عن زوجته التي اسمها زيانة ( بالله عليكم كيف عرف الهندي هذي المعلومة !) اضاعة الكثير من مشاهد القصة في المشي داخل الغابات والشوارع, مشهد ظهور الشرطة فجأة – بقدرة قادر- في منطقة ادغال نائية - , ركاكة وضعف الصراع بين عادل وزوجته وقت حصول المشكلة الاخلاقية للزوجة  اضافة الى عدة مشاهد أخرى لن نسهب فيها. خلاصة وفي جانب السيناريو, لم يكن النص موفقا البتة وجاء ضعيفا مهزوزا وانعكس ذلك بأثر واضح في الفيلم لاحقا.

نأتي الى العيب الثاني بالقصة بعد أن كان العيب الأول بمثابة الكارثة التي أتمنى تداركها مستقبلا بالأخص في وجود دكتور له باع طويل في النصوص . شخصيا لا أرى أنه يليق البتة بالدكتور خالد الزدجالي الوقوع بهذه الطريقة بكتابة نص ضعيف كهذا النص – والذي أكرر أنه لو لم يكن هو مخرجه لا التمست له العذر لكنني لن أفعل في حالته وهذا شأني الخاص والمبني على ما قلت سابقا- . أما العيب الثاني هو جانب التمثيل بالفيلم والذي بدأ واضحا من خلال مشاهد الفيلم بنسبة كبيرة تكاد تصل الى التسعين بالمئة ونستثني منها المشاهد الأولى بالفيلم التي اتقن فيها الشباب الثلاثة ( المنتقمون) حيث قدموا مستوى مقبول ومرضي من التمثيل السينمائي بالفيلم وان لامسته معالم التمثيل المسرحي في نهاية المشاهد الخاصة بهم. أما بطل الفيلم والبطلة الافتراضية للفيلم مع بقية الممثلين العمانيين والهنود فلم يكونوا موفقين البتة في أداءهم التمثيلي الذي اتسم بالمبالغة والركاكة يضاف اليهما عدم تطابق حركة الشفاه مع أصوات الممثلين الشيء الذي جعل المصاب مصابين. ما شدني حقا من بين جميع الممثلين هو الممثل الهندي العجوز جوبا كومار الذي اسرني منذ أول مشهد , حيث بدأ تمثيله عفويا متسقا مع الجو العام للقصة الى درجة انه خيل لي أنني شاهدته في أحد افلام بوليوود الشهيرة بجانب نجوم من الصف الأول هناك وربما هو بالفعل. كان الأداء التمثيلي في لحظات البكاء والألم والفرح والحب لدى ممثلينا العمانيين مصطنعا مسرحيا واضحا . شخصيا اصابني نوع من الضيق وأنا أرى المشهد الذي يلتم فيه شمل عادل مع زوجته زيانة , رومنسية باهته مصطنعة على حياء وضعف عام لم يوصل ادنى شعور بالفرح والحب في قلبي  في وقت ينبغي أن يكون هذا المشهد بالذات هو ذروة وقمة العاطفية بقصة الفيلم.

أما العيب الثالث وربما يحتل المرتبة الثانية مباشرة بعد عيب السنياريو هو عيب المخرج. شخصيا رأيت المصور والمونتير في فيلم زيانة. لم ارى الممثلين ولا المخرج ( بالذات). أين هي رؤية المخرج ( كاتب النص) في هذا الفيلم. لم نرى رؤية واضحة للفيلم , بل لا ابالغ أن قلت أنني لم ارى المخرج في فيلمه وكأنه لم يكن على كرسي الاخراج طيلة التسعين دقيقة ! هل يعقل أن يدار فيلم طويل برؤية مصور ومونتير ؟ أين أنت يا خالد الزدجالي ؟ لم أرك في فيلمك ! ابتداء من الركاكة في اتساق المشاهد مرورا بالأداء المهزوز (المستعجل) للمثلين عبورا بضعف حبكة القصة ومطابقة السيناريو سلاما على زوايا التصوير واتساقها مع الأحداث ختاما بالبنية الاخراجية والنواحي الفنية ( اضاءة, صوت, موسيقى...ألخ) للفيلم بشكلها العام. ما الهدف من جعل عامل الفندق يسرع ليقدم مساعدته في أن يحمل حقيبة عادل (المصاب) ثم يتركها بعد عدة امتار قليلة بينما يتحدث مع عادل ( لو ما شلها أحسن !) قس عليه مشاهد أخرى لم يكن مقبولا فيها الزج بحوارات عن قضايا بين الهند وعمان بتلك الطريقة. لماذا لم تنفق بعضا من المشاهد لتأسس لنا القصص الخلفية لشخصياتك الثانوية بالفيلم وان كانت بشكل يسير. وكخلاصة في هذا العنصر ,  ان كان لي أن أعرب عن اعجابي الشديد لمصور وفنيوا الفيلم لأعلن عنه في المشهد الذي كان فيه العجوز الهندي جوبا كومار يقوم بعلاج عادل في فناء المنزل, اسرني الجهد الواضح اضاءة والونا وموسيقى فيه, أدخلني جو روح بولييوود للحظات ثم عدت لارتطم بواقع الضعف العام للفيلم بعده.

وأختم والحديث ذو شجن  وتعبيرا عن رائي شخصي, فيلم زيانة اصاب نفسه في مقتل وذلك عبر نسف ثلاثة من أهم عناصر نجاح اي فيلم , السيناريو والاخراج والتمثيل . نعم نحن كصناع افلام عمانيين ما زلنا نشق طريقنا ونحاول طرح تجارب تستلهم طموحاتنا وأحلامنا في هذا الفن ولكن ينبغي أن نعي تماما أن التقهقر بعد التقدم ليس صحيا. اصبحت توقعات العالم من حولنا وفي مجتمعنا بالذات معادلات صعبة يصعب الاحاطة بها لذا فلنعي مغبة اي ضعف نسهم في تقديمه لمسيرة عمان سينمائيا. والى الدكتور خالد اقولها بشكل شخصي كوجهة نظر له أن يتقبلها و له أن يضرب بها عرض, ربما أن الأوان أن تعتزل الاخراج وتلتفت الى جوانب أخرى في صناعة الأفلام تبرع فيها أكثر , فرجل بمثل صيتك ومكانتك في مختلف المهرجانات العربية لا ينبغي البتة أن يقع في مثل هذه الاخطاء الفادحة التي قد تضر بتاريخه ومكانته العلمية . أما جانب السيناريو فأنني شخصيا لا أغفر لك الزلة في تقديم نص ضعيف غير متماسك البتة يتحول الى فيلم كهذا تخرجه الى الناس والى صالات السينما وتتباهى به. غلطة الشاطر بألف مثلما يقال.

مجملا, اشكر الدكتور ومن معه على مواصلة الحلم ومواصلة التجربة – في وقت لم يقم غيره بذلك وربما اسقط هنا مباشرة الجمعية العمانية للسينما في ادارتها المنصرمة كونها البيت السينمائي الأول في عمان -  وأنه لفيلم يستحق أن نقف خلفه كل برأيه البناء ودعمه معنويا وماديا فجميعنا نكمل بعضنا البعض بعيدا عن اي خلافات شخصية في وسط موبوء كالفن – وتلك حكاية أخرى- . نعم قدم لنا الدكتور ورفاقه فيلما ضعيفا بسيطا لكنه لا يخلو من بعض الجماليات و يظل نتاجا بسيطا في اشتغالنا السينمائي . أؤمن تماما أن اي مجتمع فني لا يجرب ولا يواصل في مشوار التجربة هو مجتمع لن يذوق طعم الفن الحقيقي ابدا.   



هيثم سليمان
كاتب سيناريو وصانع افلام
ملاحظ  افلام.
انستقرام
@haitham.sulaiman

Twitter
@haithammusallam

المدونة الإلكترونية
سكريبت كت
Scriptcut.blogspot.com

















الجمعة، 21 ديسمبر 2018



الأسود لا يليق بك لعيسى الصبحي
ثمة شيء يتحرك

في خضم التساؤلات والتكهنات ما قبل وبعد اعلان نتائج مسابقة جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب أحد الجوائز التي تعتبر عالميا كبيرة ( ماديا) في العالم وليس الوطن العربي فقط كان ذهني – وأنا الذي وددت المشاركة في ذات المسابقة لولا جملة من الظروف التعسة المعتاد عليها- يتساءل عن ماهية الفيلم الذي سيتخذ طريقه الى التتويج ناهيك عن - القيل والقال- و الهرج والمرج الذي كان سائدا حول انتقاء منظمي المسابقة للجنة التحكيم – عمانيون أم غير عمانيون - تضاف إليه جدليات أخرى حول مدى الإنصاف في وضع فئتين من الأفلام ضمن جائزة واحد فقط ( الوثائقي مع الروائي) في سباق محموم لمعرفة كفة من سوف ترجح في النهاية من هاتين الفئتين.
والحق يقال , ورغم ضخامة وأهمية الجائزة , هنالك الكثير من صناع الأفلام لم يتقدموا للاشتراك في المسابقة لأسباب عديدة لكن أهمها بلا شك هو ارتباط الكثير صناع الأفلام بعقود وأعمال بصرية تجارية - لا تمت للسينما باي صلة - و ما العدد الذي تقدم من الأفلام الى باب المسابقة - 47 فيلما قصيرا- وفي خضم وجود العديد من صناع الأفلام - بغض النظر عن مستواهم فمازلنا في نهج المتردية والنطيحة نحاول جميعا أن نوجد لنا احترافية ما في الفن السابع نحو ما يمكن أن نسميه صناعة يوما ما- في السلطنة إلا دليل واضح على ما تفوهت به.
وسط هذا وذاك وترقب من المشتغلين ليس في السينما فقط وانما في الفنون البصرية الأخرى وفي حضور تسويقي باهت للجائزة في منصات التواصل الاجتماعي – الأمر الذي ربما لن يتوانى فيه الأخوة المنظمون للمسابقة في التركيز عليه مستقبلا-  كان السؤال الأبرز هو من سوف يستحق التتويج ؟ ثم يأتي السؤال المشتق من رحم السؤال الأول , ما هو الفيلم الذي يستحق التتويج ؟
الأسود لا يليق بك للمخرج عيسى الصبحي جاء لينهي الزوبعة ويبدأ أخرى ربما. في حوالي 15 دقيقة من الزمن المسجل فنيا طرح هذا الفيلم واحدة من اقدم المواضيع التي تزامنت مع قضايا الحداثة في الوطن العربي , النفاق الاجتماعي المرتبط مباشرة بالكبت في المجتمعات العربية ولن أقول العمانية حيث سيبدو من السخف والتمييز ان قلتها ربما وتلك حكاية أخرى.
حينما يتبادر لكل قاريء، عنوان الفيلم ستقفز مذكراته الدماغية الى أحد الإنتاجات الأدبية للروائية المعروفة أحلام مستغانمي والذي يحمل نفس العنوان دون  - لا النفي – رغم كون قصتي العملين الرواية والفيلم متباعدتان تماما – أرحمونا من سالفة مقتبس وفكرة ملطوشة – هنا شدني العنوان لمعرفة الحدث وما وراء الحدث قبل أن تضغط اصابع يدي زر البلاي play على جهاز العرض الجميل الأنيق ( تحية للمنظمين على الفكرة الخلاقة لعرض الفيلم على الجمهور) .
أن تأتي كفنان وتتحدث عن موضوع مستهلك يشاهده المجتمع لكنه لا يتحدث عنه بل ولا يطرق منصات العرض البصرية المختلفة إلا فيما ندر وعلى استيحاء لهو واجب مقدس ولا اقول انجاز يضاف الى الفنان, فبدون أن يكون الفنان مقدما لرسالة نحو مجتمعه فيما يجب أن يفكر فيه المجتمع هو ليس فنانا وانما شيء أخر أترك لكم تسميته . نعم موضوع فيلم الصبحي هو موضوع نعرفه جميعا بل ونشاهده في دهاليز حياتنا اليومية , قصة الفتاة التي تعاني من الكبت الأسري فتندفع الى فعل سلوكيات تعارض ما تربت عليه داخل المنزل. ذلك النوع من السلوكيات التي يتفق معظم أفراد المجتمع – وقد تختلف نسبة الإتفاق من زمن إلى أخر-  أنه سلوك مذموم غير مرغوب. رفع مستوى الشيلة ليظهر شعرها ( لنسميه الحجاب لكي لا نكون من المغضوب عليهم بأعين المؤولين) ,وضع أحمر الشفاة , القراءات الممنوعة ( عذرا الكاتبة هدى الجهوري لم يسقط سندريلات مسقط سهوا هنا) , الاتصالات الهاتفية مع شاب بداعي علاقة الحب كانت هي التابوهات التي تجرأت سندس الطالبة بطلة الفيلم على الضرب بها عرض الحائط لتدخل في دوامة جميعنا نعرفها ويتم الانغمس فيها على مستويات عدة وهي "النفاق الاجتماعي" وكأن سندس تحت وطأة الكبت من ابيها المحافظ ولن أقول ( المطوع) أُرغمت على اقتراف هذه السلوكيات؟ هل هو منطق الحرمان من الشيء يولد الرغبة فيه ؟ هل سندس حينما تشاهد اقرانها يفعلون سلوكا ما ينهى عنه رب أسرتها تكون قد اقترفت ذنبا ؟ هل رب الأسرة واع ٍ تماما لأهمية المشاركة الأسرية في مناشط الحياة ؟( ما سلط الفيلم الضوء عليه ايضا) وقبل هذا وذاك ؟ هل الإعلام المحلي والخارجي دخيلا كان أم مستوطنا  أو صديق السوء أو نتاجاتنا الأدبية والفنية هي بواعث لفعل سلوك ما يتم تأطيره لاحقا بأفكار ومعتقدات مختلفة يتم التعاطي فيها بطرق مختلفة ايضا ؟ جملة من الأسئلة التي يدفعك الفيلم للتفكير بها حالما تنسلخ عن الحدث لتذهب وراءها في جري متمهل يزداد كلما قمت بإعادة تشغيل الفيلم .
البعض قد يذهب ربما - عاطفيا - الى التركيز على موضوع العباءة السوداء والملاءة ليحصر عاطفته في الهجوم على ما قدمته الصورة لفهمه هو  ولا يمكن أن تأتي كهذا النوع من العاطفة إلا من خلال تنقل وتركيز سريع لنقاط الاستفزاز في أي مادة بصرية بحيث تغدو الشخصية مثالا للكمال الذي لو نقص منه قليلا لاتهمت بالدونية  دون أن يعي صاحب العاطفة أن المادة البصرية المقدمة قد تكون دراما تمثل واقعا لا يمكنه هو انكاره. هنا ينبغي أن نبحث جيدا في موضوع الملاءة والعباءة – وأترك لكم البحث - .
فيلم الصبحي لم يأت ليقول للمشاهد هذا هو الصح وهذا هو الخطأ. ليست هذه وظيفة صانع الأفلام فهو لا يلزم مشاهدا واحدا على قبول ما يقدمه, كما أنه ليس مجبورا على الموافقة على رأي مشاهد يختلف معه. الفن نسبة وتناسب  وحسبة معقدة قابلة للمط واعادة التشكيل يصعب علينا أن نحصرها في شكل واحد. لذلك أرى أنه من السخف تماما أن نقول مثلا أن الصبحي جاء ليقدم رسالة وعظيه يعظ فيها بنات المجتمع حول الاحتشام وطاعة الوالدين, يقابله في الجانب الأخر ايضا من السخف القول أن الصبحي جاء ليقدم رسالة يحث فيها الفتيات على الضرب بعادات وتقاليد المجتمع عرض الحائط وتنفيذ ما يرغبن تحقيقه .   منذ متى كان الفنان واعظا أو محرضا ؟ الفنان هو مقدم لقضية وفي موضع محايد وعلى المشاهد التعاطي معها نفيا أو قبولا . ما الفائدة من طرح فيلم يتفق عليه الجميع كما ما الفائدة من تقديم فيلم يختلف عليه الجميع ؟ أليس كذلك ؟ الصبحي جاء ليقول لنا هذا ما يحدث في المجتمع ؟ من الملام ؟ هل هو رب الأسرة في فيلمه ؟ أم بطلة الفيلم ؟ ام والدتها ؟ أم عريسها الذي تزوجته قصرا ؟ أم المشاهد الذي يتقبل الفيلم حسب ما يريد فيهاجم أو يصفق إعجابا ؟ تبقى الإجابات في يدنا جميعا ولن يستفرد بها أحد. سيكون من الغباء فعلا أن يتم ذلك.
ثمة شيء يتحرك في السينما العمانية  . النتاجات الأخيرة من الأفلام بدأت تصل الى مدارك الوعي الموضوعي بأهمية قضايا عُمان الاجتماعية الأن واثرها على الشباب والشابات. ثمة شيء يتحرك استبشر به خيرا من خلال رؤيتي لبعض من موجة النتاجات الجديدة في السينما العمانية . لم يعد الفلج والقلعة والمِصر والبيت التراثي والجحلة والرزحة هي مكونات التأسيس البصري الموضوعي لدى صناع الأفلام الجدد . بتنا نرى عُمان اليوم في أفلامنا. هموم المجتمع المعاصر الذي يسابق الزمن في الحصول على حقه الطبيعي في التنمية والتقدم بين اقرانه في باقي دول العالم. نعم هنالك العديد من التابوهات والخطوط الحمراء المجتمعية ( بعيدا عن الثالوث المحرم الذي نتفق جميعا أنه لا ينبغي المساس به ) التي يجب أن يكون فيها اشتغال سينمائي مكثف  " كفانا من بيوت الطين " .نعم كفانا محاولات الاثبات للعالم بشأن هويتنا كعمانيين في وقت يستطيع العالم أجمع المعرفة عن عمان وتراثها وحضارتها بكبسة زر على العم جوجل. هنالك العديد من صناع الأفلام الذين تشهدهم الساحة الأن يحاولون احداث تغيير في بنية الطرح الموضوعي السينمائي في عُمان ولكم نود أن يدوم هذا التحرك. أؤمن بقاعدة مهمة ألا وهي أنه لا بأس من أن تصفع المجتمع بين الفينة والاخرى ليتذكر ما هو فيه ويعكف على التفكير فيه لإيجاد حلول. قضايا مجتمعنا تحفل بالكثير . ذلك الكثير الذي لا يود الإعلام الخوض فيه وقبله المجتمع لا يود لا التطبيل ولا تطبيب الجراح عليه.  وأخر نقطة في حديثي في هذا الجانب هو ملاحظتي لذكاء الصبحي حيث ابتعد عن الصورة النمطية للرجل المحافظ والتي تشبعنا واسقمنا من رؤيته بهيئة اللحية والدشداشة القصيرة وربما العمامة. خالف الصبحي هذا التوجه وقدم لنا شخصية الرجل العادي الذي يمكن أن نراه في أي مكان وزمان . أجزم أن عملية اختيار الممثلين تمت بعناية وهذا مجهود يجب أن يشار اليه بالبنان للصبحي في ظل أزمة اختيار الممثلين لدينا في أفلامنا ومسلسلاتنا. سؤال واحد على سبيل الدعابة دار بخلدي في نفس هذا الموضوع. يا ترى هل قدم لنا الصبحي شخصية الاب بتلك الطريقة المحافظة الغير مبالغة ذكاء منه أم خوفا من انتقاد ( المطاوعة ) له  ولفيلمه .
عودة إلى الفيلم في تفاصيله الفنية والموضوعية فلقد جاء السيناريو في الفيلم جيدا يتسم بالرصانة والبعد عن الحوارات المطولة. كما ان انتقاء المشاهد جاء ليخدم موضوع الفيلم وان كان هنالك مشهد أو مشهدين ( مشهد مساعدة الأب لعابر في الشارع, ومشهد تعليق لافتة بناء المسجد ) كان يمكن استبدالهما بمشهدين أخرين يخدمان الموضوع بشكل أكثر تناسقا فوق مستوى رغبة الكاتب في ايصال فكرة حمادة السلوك وطيبة قلب الأب والتزامه نحو المجتمع في وقت يمارس فيه كبتا على اسرته. كما ان هنالك بعض الحوارات التي يصعب أن نسمعها في الواقع. اسوق على سبيل الذكر حوار الاب مع ابنته حول موضوع  الاختبارات حينما قال لها : ما مطنشنة تذاكري من الحين). بدهيا لن نرى ابا بمثل التركيبة التي قدمها لنا الكاتب في الفيلم يقول لأبنته ما مطنشة المذاكرة. حتى على مستوى واقع الحياة اليومية يصعب أن نرى كهذا حوار. مثال أخر للحوار الضعيف المستعجل أتى في المشهد الاخير للفيلم حينما يحذر العريس عروسته في ليلة زفافهما. من الواقع ايضا يصعب وربما من الاستحالة بمكان أن يقوم عريس ما بتحذير زوجته واخبار الاشتراطات السلوكية لها في ليلة زفافهما. يمكن أن يدور مثل هذا الحوار في فترة الخطوبة أو ما بعد الزفاف وانما في ليلة الزفاف, استعبد تماما أن نسمع مثل هذا الحوار حتى وان كان العريس مصابا بعقدة الشك في اسوأ الأحوال. والمثال الأخير  والذي ربما لم ينتبه اليه كاتبا السيناريو ( الحارثي والصبحي) هو خلق جو سائد من التهذيب داخل منزل سندس. تهذيب يقوم على أبسط السلوكيات ومنها طرق باب الغرف قبل الدخول. لكننا رأينا ما ينسف ذلك الجو حينما أقدم الأب على اقتحام غرفة ابنته ليلا دونما استئذان وهو صاحب المثل الرفيعة والاخلاق الطيبة. كما أن مشهد خروج الاب لتفقد ما يحدث خارج المنزل ليلا ثم عودته الى المنزل ليتجه مباشرة الى غرفة ابنته في دراماتيكية مهزوزة لم يكن موفقا البتة . ربما ببعض التأسيس الجيد لهذا المشهد لكان سيكون أفضل لا سينما في هذه المرحلة من القصة والتي تعتبر هي الكاسر أو التويست الوحيد الذي يقلب ميزان خروج البطلة من منطقة الراحة, العبور, الاكتشاف, المواجهة. بشكل عام سارت احداث القصة بشكل متسق جميل مريح بصريا لكنه متوقع كذلك. حيث يمكن للمشاهد الملاحظ المتمرس ان يتوقع سير أحداث القصة وصولا إلى نهايتها قبل أن يصل الى الربع الأخير من الفيلم فعلا. خُيل إلي نوعا ما وأنا اشاهد أحداث الفيلم أن الهدوء الذي يصاحبه وغياب ايقاع التشويق والشد ( لاسيما في موضوع حساس كالذي يطرحه الفيلم) أنني سوف اشاهد خاتمة ستقض مضجع هدوئي وتعطيني الكسر الذي كنت ابحث عنه طوال مدة الفيلم. لكن هذا لم يحدث للأسف. بدء الفيلم هادئا وانتهى هادئا في نهاية متوقعة كان من الممكن أن تكون أكثر استنفارا .
أما فنيا , فلقد ساهم الاداء الرائع والمقنن للمثليين في اعطاء الفيلم تلك الصورة السينمائية تمثيلا وحوار. لم يكن هنالك اسفاف أو مبالغة في الأداء التمثيلي داخل الفيلم بل سار بشكل طبيعي وكأنك تشاهد أحداثا من خارج نافذة غرفتك تماما  اللهم عدم القدرة الكاملة لممثل شخصية الاب في ابداء غضبه عندما كان يقوم بضرب ابنته . ومن ناحية التصوير كان اهتزاز الكاميرا جليا لكل عين. على جهاز ايباد صغير كان الاهتزاز واضحا, قس على نفس النقطة عرض الفيلم في شاشات عملاقة مستقبلا. تمنيت فقط أن يتم التركيز أكثر على تأسيس وصنع اللقطات السينمائية بحيث نرى لقطات سينمائية أكثر ابداعا تبهر المشاهد عوضا عن اللقطات التقليدية نوعا ما.
وربما من الأخطاء الفنية الملاحظة في الفيلم ايضا هو نوع العباة التي ارتدتها بطلة الفيلم. حيث كانت في أحد المشاهد مغطاة الذراع لكنها ظهرت في مشهد أخر مكشوفة الذراع وبوجود ابيها المحافظ.

مجملا أشد على يد مخرج الفيلم وطاقمه في تقديم هكذا اشتغال سينمائي وان كان الفيلم لا يخلوا من عثرات هنا وهناك ولكن من نحن لنكون بمستوى الكمال؟ غيرنا سبقنا واشتغل ومع ذلك ما يزال يقع في الأخطاء, فلنبتعد عن التأليه والكمالية اذن ولنقل براحة صدر. هذا فيلم يستحق التكريم والجائزة.
تقييمي 6.8/10

هيثم سليمان
@haitham.sulaiman


السبت، 28 أبريل 2018

نشر المعرفة السينمائية في شباب محافظة البريمي








#شكرا ايها الرهيبون 🤩🤩
كمية طاقة ايجابيه ذات جرعات عالية لمستها من #شباب_البريمي في فريق #فرصة التابع ل #نادي_النهضة في #البريمي..
@youthc_nc
@youthc_nc
ثلاث ساعات استمتعت فيها في التواجد معكم ومحاولة اثراءكم بالمفيد من تجربتي في #السيناريو و #السينما بشكل عام
#هيثم_سليمان

الخميس، 26 أبريل 2018

الفيلم الورائي القصير - اختزال الضوء ومساحة للروح










( أجد فيه مهربا لعقلي وروحي)
ربما هكذا أجد نفسي في إجابة لتساؤل يطرح نفس عن ما هو الفيلم الروائي القصير بالنسبة لهيثم سليمان.

تعلمنا ونحن صغارا أن نصدق الموجود وان نترك المفقود لانه صعب المنال وربما سيدخلنا في متاهات لا منتهية من الإحباط او الفشل او حتى النزوح بعيدا عن الدين والعادات والتقاليد. لفترة ما ظننت ان هذه اللعبة سهلة المنال , اغمض عينيك وعش يومك دون ان تشرد الى الغد. لكن ومع اغراقي اللذيذ القاتل في السينما يوما بعد يوم ومع ظهور تجليات الجمال في صناعة الفيلم الروائي القصير , ايقنت ان اللعب ليس بيدي وان اللعبة أكبر من ذلك بكثير.

حينما تتوقف صورة سينمائية ما في احد المشاهد ولا تجد سوى العينين او الملامح لتتحدث, حينها فعلا تدرك ان لعبة المسلمات  كانت اضحوكة مؤدبة حرص الكبار في مجتمعنا ان نتجرعها شئنا ام ابينا.




انطباع عن فيلم الاغراق - نسخ من التجريبي والروائي













#تقييم


فيلم #اغراق او #submergence


النوع : #دراما#فلسفة#رومنس#مغامرة


مقتبس عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب الانجليزي #جي. ام#ليدغارد


بطولة : #جيمس_مكفوي #jamesmacavoy  و #اليشياگفيكاندر #aliciavekander


اخراج : #وين_ويندرز


زمن الفيلم : ساعتين تقريبا


قصة الفيلم : شاب جندي يعمل في استخبارات المكتب الخامس البريطاني يقع في حب عالمة احياء مائية يخوض الاثنان من خلالها قصة حب ثم تفرق الاحداث بينهما عندما يخرج الشاب في مهمة سريه شرقي الصومال لمحاولة تفكيك خلية ارهابية متخفيا بوظيفة مهندس حفر ابار مياه فيقع في قبضة الصوماليين بينا تستمر حبيبته في اكتشافاتها تسبر اغوار البحر الى اعماق سحيقه بحثا عن مصدر الحياة وسر عيش الكائنات في مايسمى ب #العالم_الاخر موقنة بان البحر يتكون من خمسة طبقات كل طبقها لها رمزيتها وغموضها





شدني بالفيلم انه يميل وبشكل واضح الى مدرسة السينما المستقلة التي تتخذ أبعاد انسانيه مختلفه حول تفاعل الانسان مع محيطه وخالقه.. استشففت ان الفيلم يدور حول علاقة العلم بالايمان ثم التساؤلات حول مالذي يميز المؤمن حقا وسط المصاعب والويلات التي تمر بالبشر، كل هذا في صورة شاعرية مبسط لعلاقة وفاء حبيب لحبيبته ورغبته في العودة الى الديار، بالتالي اليها. كما شدني بحث عالمة الاحياء المائية وعبارتها المقتبسة من ايه في كتاب الإنجيل


#dusttodust  او من التراب الى التراب اسقاطا لخلق الانسان ومصيره لكنها ترفض الاعتراف ببها لتخبرنا بان هنالك اناس ماتوا في عمق البحار لا تحت التراب كما انهم خلقوا من ماء بغالبية عظمى، اسقاط ديني اخر #وجعلنا_من_الماء_كل_شي_حي 


لم يعجبني في الفيلم التطرق المستهلك والمقزز لصورة الاسلام، حيث نرى مشهد لرجم امرأة مسلمة كما نرى حوارلت مغلوطة عن سبب ايمان المسلم بربه ومرة اخرى يصورنا الغرب باننا همجيون اصحاب دين خاطى وان المسيحية هي الخلاص والملاذ رغم ان هنالك وقائع تجتمع عليها المتب السماوية الثلاثة في مسالة الايمان والموت والحياة.





نصيحه :النهاية مربكة، فاذا كنتم من محبي النهايات المغلقه الواضحة المتوقعه، لاتذهبوا لمشاهدة الفيلم.. شخصيا اعجبتني النهايه ولم تعجب اخي سالم





هذا ليس فيلم اكشن وصخب، هذا فيلم تأمل وتفكير وقراءة ماخلف السطور.





تقييمي : 7.4/10


#هيثم_سليمان


#الجميع_يشارك_سينما






من الذاكرة : مع كيلبرغر صاحب احد اهم الافلام الوثائقية الخاصة بالاطفال


من الذاكرة : مع المخرج القدير بسام الذوادي والنجم المصري عمر واكد



مسابقة من تنظيمي ودعمي الخاص لفتيات وقادة من كلية عبري التطببقية- كتابة سيناريو فيلم روائي قصير