الأربعاء، 10 فبراير 2021

قراءة إنطباعية لمجموعة من الأفلام العمانية القصيرة المشاركة في جائزة عمق

 




حسنا, كانت وربما دون قصد أن تكون حماستي لحجز تذاكر تلك الأفلام منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه عن توفرها على الإنترنت تلتها مرحلة الانتظار والشغف ثم التأخر بحوالي عشرة دقائق عن الوصول الى عرض أول فيلم ( شكرا أخي محمد قاتل الله ابليسك وسيارتك اللكزس موديل 2000 وازدحام مسقط الشطرنجي) هي مفارقات غريبة ولكن أتركها كمخاض في الذاكرة لهذه التجربة الاستثنائية.

 في هذه المقالة  سوف أتحدث عن انطباعي الشخصي بوكل حيادية لمجموعة من الافلام العمانية القصيرة التي تم عرضها في صالات السينما والمشاركة في جائزة عمق للافلام القصيرة.

ملاحظة: سأتطرق هنا وفي عجالة إلى مجموعة الأفلام التي شاهدتها و شدت انتباهي فقط وأختم بها تقييما رقميا من مستوى عشرة لكل فيلم أتطرق إليه , أخذا بالعلم أن هنالك عشرات الأفلام التي شاركت بالجائزة ولم تتح لي, بدهيا كذلك لغيري أن نشاهدها لنستطيع أن نتطرق اليها ونعطي فيها انطباعا.

باديء ذي بدء أحب أن  أفتح العدسة هنا على جمالية جهود التحضير والادارة ومن ثم التسويق والعرض التي قامت بها شركة عمق منذ مولد الفكرة على خطى #مواصلة_المسير مرورا بالظروف التي مرت بها المسابقة وصولا إلى حفل التكريم الرائع جدا والملهم جدا وانتهاء بعرض عدد من الافلام المشاركة والفائزة بصالات سينما نوفو بالمجمع التجاري مسقط. ساقولها الأن كما قلتها سابقا ولكي لا أكررها مجددا حرصا مني ألا تختفي حلاوتها على اللسان , شكرا عمق لأنك جعلتي أحد أهم أحلام صناع الأفلام العمانيين واقعا نراه بأعيننا بعد طول إنتظار, فوجود فيلم عماني قصير على صالة عرض سينمائية تجارية هو أمر صحي ومشروع تماما.  أن ترى فيلمك والناس من اصدقاءك, عائلتك, زملاءك وأخرون يندفعون لشراء تذكرة لمشاهدته, هذا هو أحد المشاهد التي كنا ننتظرها فعلا, هو مشهد داخل فيلم نعيش أحداثه جميعا في هذه الايام.


ولنذهب إلى مجموعة الأفلام الأن.

ملاحظات عامة على الأفلام التي تم عرضها :

1)- معالم الإشتغال الفني التقني في الأفلام باعث على شعور يثلج الصدر ويبشر بالخير في اثبات قدرات صناع الأفلام العمانيين الفنية التقنية من اضاءة , صوت, تصميم انتاج, موسيقى,  مكياج وأزياء, مونتاج ..الخ. نحن لسنا اقل ممن حولنا من صناع المحتوى في العالم, ما عدا جزئية المؤثرات الخاصة, فما زلنا نتعلم  فيها وان كنا قد بدأنا في قطع شوط لا بأس به في كثير من التجارب داخل وخارج عمق.

 

2)- سيادة نوع من الثرثرة الزائدة في الأفلام من خلال التعليق الصوتي أو الحوارات المطولة بحيث يتقلص المجال أمام الصورة للحديث وهذا ما يضعف قوة الفكرة والاشتغال الفني واللغة السينمائية بالفيلم, حيث ينبغي ان يعي صناع الأفلام – لاسيما أولئك ذوي التوجه للسينما المستقلة- أن الصورة هي من ينبغي عليه الحديث في الفيلم, لا الحوار والتعليق الصوتي, حيث أن روعة السينما المستقلة في الصورة التي تخاطب كل عقل وكل إحساس مفسحة المجال أمام المشاهد لكي يتلقى دون تلقيم بالملعقة أو تلقين تعليمي يقوم – دون قصد- باستغباء عقليته.

 

3)- التنوع الجميل في الافكار المطروحة ما بين التقليدي المُحدث الى المتداول المثير للجدل  إلى تبني أنماط عالمية مستخدمة من أنواع الأفلام, ورغم ذلك لم ألحظ شخصيا افلاما ذات افكار خارج الصندوق تماما, أتكلم هنا عن الصندوق العالمي, أما الصندوق المحلي فنعم هنالك أفلام جاءت بأفكار خارج الصندوق.


4)- غلب الفيلم الروائي بالعدد على الفيلم الوثائقي مكتسحا ساحة العروض وأعزي ذلك لاعتبارات كثيرة منها ميلان صناع الأفلام العمانيين الى الاشتغال في الروائي والتجريبي القصير أكثر من ميلهم نحو الفيلم الوثائقي  ولن أدخل في أسباب أخرى جدلية تتعلق بالمواضيع التي يمكن تناولها في النوعين ولا بمدى سهولة أو صعوبة ايهما فذلك جدل لن ينتهي ولكل فيلم (سيناريو) يحدد صعوبة الإشتغال عليه من سهولتها.

 

5)- التكثيف على إظهار العنصر الصوتي كمؤثرات وتعديل داخل الصورة طوال الفترات الزمنية للأفلام, بحيث نكاد نسمع صوت دبيب النمل  في بعض الأفلام دون داعي أو مسوغ لذلك, بل ربما يزجي هذا التكثيف سيلا من التشتت الحسي السمعي لدى المشاهد بحيث يتبعثر تركيزه هنا وهناك مبتعدا عن الصورة ومعانيها. فلنخفف من الحماسة داخل غرف المونتاج قليلا ولنركز في الأهم وهو  ما الذي اريد أن اقدمه في المشهد الفلاني داخلي فيلمي.


6)- الخلط بين توجه فيلم سينمائي للعرض على صالات السينما ( سواء كانت عرضا تجارية أم عروض مهرجانات سينمائية) وبين توجه محتوى بصري موجه إلى منصات تفاعلية مثل اليوتيوب وما شابه. برأئي الشخصي ومن مشاهداتي, هنالك مجموعة محتويات بصرية ستكون جدا جميلة وأكثر اثراء لو توجهت الى منصات اليوتيوب وماشابها فقط... شخصيا , لن استقطع من وقتي ومالي للذهاب إلى صالة سينما لمشاهدة محتوى إعلاني تحفيزي أو محتوى توعوي بحت.

 

7)- الغياب الواضح لبعض الأساسيات في عنصر السيناريو في الأغلبية الكبرى من الأفلام, فلم اشهد فيلما ركز على عنصر السيناريو ومضى فيه بشكل ممنهج وحريص إلا قلة قليلة جدا من الأفلام. ومن هنا ما زلت أقول مثلما قلت كثيرا ( واسمحوا لي اذا قمت أتشكى وأتقمقم), نحن بحاجة الى غرس مفهوم أهمية وحرفية السيناريو لدى صناع الأفلام لدينا, هذا إن كنا نود الوصول الى العالمية مثلما نزعم ونطمح. ومن الجدير بالقول هنا والمؤسف ايضا وهذا عتب شخصي أحمله لإدارة جائزة عمق أن يُهمش أو تغيب جائزة افضل سيناريو لتحل محلها (ربما) حائزة افضل فكرة. نتمنى في النسخ القادمة أن نرى تركيزا أكثر على هذا الجانب لأهميته.. لدينا كوادر تقنية عالية تقوم باشتغال فني تقني جميل لكن روح القصة وروح التأسيس غائبان عنها مما يجعل عملها بالتصنيف الحرفي العالمي هزيلا.

 

8)- الاستناد على الموسيقى لتلقيم الشاهد تلك المشاعر الذي يود الفيلم ايصالها وهذا برأئي الشخصي تقهقر وتخفي خلف الامكانات وأدوات صانع الأفلام. وفي كثير من الأحيان لم يكن اختيار الموسيقى مناسبا البتة. بل أن الوضع كان سيئا في بعض الأفلام في هذه الناحية لدرجة أكسبني شعور مشاهدة مسلسل تلفزيوني خليجي أكثر من مشاهدة فيلم سينمائي.

 

9) – وأخيرا , كل الشكر والإمتنان موصول الى لجنة تحكيم الجائزة الممثلة في الأخوة الزملاء الذين أعرف اغلبهم وسبق وأن تعاملت معهم واعرف فضاءهم السينمائي الجميل وأفكارهم الإبداعية الموزونة مع أنني أختلف معهم كثيرا في بعض نتائج التحكيم الخاصة بالأفلام الفائزة في مختلف الفئات  ولكن.. واضع خطا هنا تحت كلمة ولكن, كلمة الحكام هي العنوان وهي الفصل الأخير في أي جدل وتبقى اجتهاداتنا نحن خارج منطومة الحكام بمثابة ذوق شخصي مبني على معرفة وتجارب ربما . رأئي لجنة التحكيم يُحترم, لا سيما وأن ضم تلك الكوكبة من المحكمين.  فشكرا لجهودهم ولتستمر قافلة صناع الأفلام في المسير قدما نحو الأفضل.

 

 إليكم ملاحظاتي التي كتبتها عن مجموعة الأفلام التي شدت انتباهي دون ترتيب و دون ذكر لمحتوى وقصص الافلام ( مخافة الحرق)  :

*ملاحظة: التقييم هنا بناء على المستوى المحلي لدينا في صناعة الافلام وليس المحتوى العالمي.

 

فيلم من الأرض إلى البشر ( الحائز على جائزة أفضل مخرج) :

- فيلم ذو رؤية اخراجية جيدة واضحة ( يستحق جائزة افضل اخراج )

- يصلح أن يكون فيلما طويلا  لا سيما كفيلم خيال علمي.

- فكرة خارج الصندوق محليا (يمكن ان ينافس على جائزة افضل فكرة)

- تمثيل متوسط الأداء من الشخصيات الرئيسة

- استعجال واضح في الفصل الأول من الفيلم

- الإطالة النسبية في فيلم خيال علمي قصير (يفترض أن يكون طويلا) جعلته يقع في مراحل من الضعف والترهل وصولا إلى مراحل ما قبل النهاية.

- ذروات الفيلم درامية بشكل مبالغ فيه سببها ضعف عنصر التمثيل

- اشتغال جميل على المؤثرات الخاصة وتصميم الانتاج

تقييمي 6.4/10

 

 ==============================

فيلم دهوي

- وثائقي جيد ( افضل فيلم وثائقي من بين الأفلام التي شاهدتها)

-تعليق صوتي رائع جدا

-طرح الغموض وبناء المشاهد عليه خطوة جميلة

- انحرافات عن الموضوع الأصلي في بعض المشاهد والحوارات

- محاولة الموزانة بين الجانب العلمي والجانب المجتعمي الأسطوري

- مونتاج رائع لفيلم وثائقي

- ابراز رأئي الدين في الفيلم اضعف من الفيلم وموضوعيته.

- انحياز صانع الفيلم برأيه داخل الفيلم اضعف من الفيلم كذلك

- فيلم وثائقي يمكن أن يذهب للمنافسة في مهرجانات سينمائية

التقييم : 6.0/10

 ================================

فيلم طي ( الحائز على جائزة أفضل مصور):

- فيلم يمكن أن يكون تجريبيا خالصا

- بداية جاذبة ومثيرة

- فكرة جميلة ( أفضل فكرة برأئي الشخصي)

- تصوير جميل وملفت

- ذكاء في تصميم الإنتاج

- ما قل ودل, اعطاء المساحة للصورة للحديث.

- بعض الهفوات والترهلات في خطوط السيناريو

- فيلم يمكن أن يذهب للمنافسة في مهرجانات سينمائية, لا سيما التجريبية .

- اخراج رائع.

التقييم 7.1/10

=================================

فيلم نملة :

- فيلم لطيف ظاهريا, مؤلم في العمق

- حوارات جميلة منتقاة

- فكرة خارج الصندوق محليا  وتعتبر عميقة اذا حللها المشاهد جيدا

- تمثيل متوسط الأداء يطغى عليه الجانب المسرحي قليلا

التقييم : 5.8/10

 ===============================

فيلم سيارة حامد ( الحائز على الجائزة التشجيعية):

- فيلم الممثل الواحد

- أداء تمثيلي كوميدي جميل ولطيف يلامس المشاهد العُماني

- فكرة ذات ايقاع شعبي جميل

- الفيلم الوحيد الذي ضحكت فيه من العمق

- مونتاج جميل

- النهاية نوعا ما جاءت مستعجلة وكان ينبغي لها تأسيس أكبر.

- عدم استخدام الموسيقى أعجبني جدا  بحيث ارتكز الفيلم على عناصره الأخرى.

التقييم : 6.4/10

 ================================

فيلم الوحوش ( الحائز على جائزة افضل ممثل):

- فيلم لطيف جميل بسيناريو واضح  ( يستحق الجائزة التشجيعية)

- فكرة من قارعة الطريق, بسيطة لا تتسم بالتكلف

- تون ( ايقاع) الفيلم جميل زاد جماليته أسلوب القطع الحاد بالمشاهد.

- اصوات حوارية مبالغ فيها ولكن لمن يندمج بايقاع الفيلم واسلوبه سيتفهمها

- ضعف واهتزاز في حركة الكاميرا ووضوح الصورة

- اخراج جيد ويحسب للمخرج أسلوبه المختلف في طرح فيلم بسيط

- تمثيل متوسط الأداء , ضعيف في أحيان ما.

التقييم : 6.8/10

 ==============================

Godmother فيلم

- وثائقي/ سيرة

- احتفاء جميل وشاعري بالموسيقة العمانية

- بطاقة تعرفة بصرية للمايستروناصر الكندي

- ملهم ويزرع بداخلك حب الموسيقى

- تكرار مبالغ فيه لبعض المشاهد  يشعر المشاهد بالملل

- تمنيت أن توضع الأصوات الطبيعية للمعزوفات العمانية بالمشاهد

-  إطالة في بعض المشاهد يوقع المشاهد بالملل ايضا

- تجربة جيدة أن نرى فيلم يحتفي بالموسيقى بطابع السيرة الذاتية

التقييم : 5.8/10

 ===============================

Distressفيلم

- إمكانات فنية تقنية عالية

- تمثيل متوسط الأدء

- حوارات تلفزيونية مطولة لا داعي لها

- فكرة جيدة

- مزج أصوات جيد

التقييم : 6.2/10

========================

فيلم طريق المنارة:

- فيلم نوستالجيا جميل

- وثائقي يميل للدراما قليلا

- تكنيك الكادر المربع ( الاسترجاعي) جميل واعطى للفيلم روح وشاعرية

- اختيار موفق جدا للموسيقى

التقييم : 6.0/10

 =============================

فيلم براءة ( الحائز على جائزة أفضل هندسة صوت)

- فيلم نوستالجيا رمزي

- هندسة صوت رائعة ( يستحق الجائزة)

- سيناريو ضعيف نوعا ما

- تمثيل رائع ورؤية اخراجية جيدة

تكسرات بصرية في بعض مشاهد الفيلم

- نسبة الغموض مبالغ فيها بالفيلم وربما صعبة على المشاهد العادي

التقييم : 6.4/10

 =============================

فيلم حميد

- فيلم جيد

- يخدعك بشكل مفاجيء في مرحلة من مراحل القصة

- فكرة النقيض والنقيض الضد جميلة رم تقليديتها

- سيناريو يتسم بالضعف

- موسيقى لا داعي لها في بعض المشاهد

التقيييم : 5.7/10

 ===========================

SACKEDفيلم

- فيلم أجنبي رائع

- فكرة جميلة

- لغة سينمائية ملحوظة

- ما قل ودل

- تناغم بين حديث الصورة وحديث الحوار

- يدفعك للرغبة في مشاهدته عدة مرات

- رؤية اخراجية رائعة

- هفوات في النواحي الفنية التقنية

التقييم : 6.8/10

 ============================

فيلم ليش كذا

- رغم انه فيلم تقليدي نوعا ما لكنه يحمل قضية مهمة(تهمني شخصيا)

- تمثيل جميل من الممثلة بدور البطولة

- لم تعجبني الصورة النمطية للكتاب والفنانين والتي وضعها المخرج بالفيلم

- فيلم يستحق المتابعة ويوصلك لمرحلة جيدة من التأثر

- أفلام القضية غالبا ما تلامس المشاعر, وهذا ما حدث معي بهذا الفيلم

التقييم : 5.9/10

 =============================

فيلم الناجي الأخير( الفائز بجائزة أفضل صانع مؤثرات)

- فيلم رائع يدخلك الجو والايقاع مباشرة

- تصميم انتاج جدا جميل

- مؤثرات خاصة جميلة ( يستحق الجائزة)

- تمثيل رائع ( الجندي المصاب يستحق جائزة افضل ممثل بلا منازع)

- مونتاج رائع

- حوارات جيدة وأن بدا عليها الطابع المسرحي احيانا

-  يستحق جائزة افضل فيلم متكامل

- بعض الهفوات التمثيلية والحوارية

- بعض الهفوات في النواحي الفنية المتعلقة بالجروح

-  التقييم : 7.3/10

==============================

فيلم مخمخة:

- فيلم بتكنيك مختلف محليا عن بقية الأفلام

- أعجبتني فكرة التنقل بين القصة مشاهد والقصة كاعداد

- ضعف واضح في النواحي الفنية التقنية

- منتصف الفيلم هو بداية ضعف الفيلم سرديا وجماليا

- حوارات ركيكية

- تمثيل متوسط

التقييم : 5.6/10


الثلاثاء، 22 ديسمبر 2020

قراءة بصرية لفكر كيستوفر نولان حول الوجود الزمني والمكاني - تقييم فيلم Tenet


 

قراءة بصرية لفكر كيستوفر نولان حول الوجود الزمني والمكاني

فيلم * عقيدة * نموذجا

( انطباع بدون حرق للفيلم  وأحداثه)

الكاتب والمخرج: هيثم سليمان

حساب الانستغرام:

@haitham.sulaiman

المدونة الإلكترونية

www.scriptcut.blogspot.com

 

يبدو أن نبي سيكولوجية الزمن كريستوفر نولان مستمر في اذهال شاشة السينما بأفلامه التي تتلاعب حكبتها بتفاصيل الزمن وهذا ليس بذي غريب على مخرج جاد لنا بعدة تحف سينمائية تطرح ذات التلاعب كمثل فيلمه  انسيبشن  وفيلمه انترستيلر ثم فيلمه ما قبل الأخير دنكيرك والذي صاغ فيه نولان حبكته جوا وبحرا وبرا في تفصيل زمني للحدث كما يحدث ولكن كما تراه عين المشاهد في تلك الفصول الزمكانية الثلاثة.

لطالما عرفنا هوس نولان بالزمن في السينما. نولان لديه فكرة رئيسية عن الزمن قام بتقسيمها على أربعة مراحل (أفلام) حيث بدأ فيلم انسبشن وفيها طرح التكوين الزمني المتضمن في الأحلام لعكسها على الواقع الذي تعيشه الشخصيات بالفيلم حيث أرسل شخصيات فيلمه إلى عمق تكوين الحلم للتغيير والتاثير في مجرى الأحداث, ثم قام بالولوج الى حذافير الربط المثير بين المستقبل والحاضر في فيلم انتيرستيلر وتبيان كيف يمكن أن يؤثر السفر الى المستقبل على حاضر الشخصيات بالتالي جميع ما يتربط بها من ذكريات وعواطف , ثم قفز الى مستوى اخر في فيلمه دنكيرك حيث اعتمد مبدأ التواطىء الزمكاني فجعل جميع شخصياته تعيش مجريات أحداث برا وجوا وبحرا في نفس التوقيت الزمني الفعلي في رائعة حربية قل أن تراها في السينما( راجع انطباع وتقييم فيلم دنكيرك في هذه المدونة)  ثم اختتم فكرته الرئيسة بالمرحلة الرابعة (الفيلم الحالي- عقيدة-) ولعب على الانعكاس الزمني مع دمجه بالمؤثر على المكان ليعرض أمام عيني المشاهد الحاضر والماضي والمستقبل في مشهد واحد ( وهذا هو التكنيك الفريد من نوعه الذي يحسب لنولان أنه بدأ به في عالم السينما في فيلم طويل). يجب أن ننتبه ايضا أن الفكرة الرئيسة لنولان حينما قسمها الى عدة مراحل عبر أفلامه فقد راعى أن يكون تسلسل تقديم الفكرة للمشاهد مدروسا قابلا للاستيعاب , حيث كانت المرحلة الاولى في انسبشن معقدة قليلا ثم جاء انترستيلر ليعطيها بعدا أخر جديد يمكن فهمه ثم بسط الفكرة أكثر في المرحلة الثالثة عبر فيلم دنكيرك ليهيأ المشاهد للمرحلة الأكثر تعقيدا وهي فيلم تيننت ...كريستوفر نولان ليس من هذا الكوكب أبدا.. هل هنالك مرحلة جديدة خامسة ضمن فكرة نولان عن الزمن ؟ من يدري كيف سيكون شكل الفيلم القادم. من أجل ذلك أقول , هذا الكاتب المخرج فوق هوليوود وفوق مستوى الأوسكار بعينه. ما الذي تنتظره هوليوود لتمنحه أوسكارا مستحقا ؟ لا أدري !! ولي أن أتعجب !

سيناريو استغرق حوالي خمس سنوات من الكتابة, وتجهيزات ضخمة لفيلمنا , فيلم "عقيدة" والذي يبدو أن نولان تحدى فيه نفسه ورفع من سقف التعقيد وبراعته في الحبكات المحكمة الى مستوى عال جدا. ولا أخفيكم القول بأن  براعة نولان ككاتب سيناريو اصبحت في مستوى واحد عندي ببراعة كاتب السيناريو كونيتن تارينتنيو بالرغم أن كلا الكاتبين ذوق ورؤية وأسلوب مختلف ولكنهما يلتقيان في حرفنة صناعة النص السينمائي.

" عقيدة" في صالات السينما بعد ظروف انتاجية تكبدها فريق المشروع الضخم الذي كلفت ميزانيته زهاء المئتين ونصف مليون دولار أمريكي رافقها الظروف المصاحبة لانتشار فيروس كرونا والذي بدوره خيب أمال الكثيرين من عمالقة الصناعة السينمائية في هوليوود. ومن السخف كل السخف أن نلوم الخرج نولان في رفضه لعرض فيلمه في منصات عرض الكترونية قبل أن يأخذ طريقه للعرض في شاشات السينما الكبيرة, لماذا ؟ بدهيا.. عندما تشهد فيلما لنولان, يجب أن تشاهده في صالة سينما لتعيش جميع تفاصيل الصوت والصورة معا وبمتعة كبيرة بالرغم من اخفاق نولان في جانب الصوت في أفلامه الأخيرة بما فيها فيلمه الحالي تقريبا ولم يكن يشفع له في هذا الجانب سابقا الا تعاونه المستمر والابداعي مع العملاق المؤلف الموسيقي هانز زايمر الذي لم يشاركه التعاون هذه في المرة في فيلم " عقيدة " هذه المرة.

ليكن في علمك كمشاهد, أن فيلم " عقيدة" يحتاج الى طقوس خاصة قبل وأثناء مشاهدته وبدونها لن تكتمل لديك الصورة الكاملة خلف عبقرية نولان وتحفته الجديدة التي قال عنها أحد النقاد " حتى نولان لا يستطيع أن يخرج هكذا فيلم". هنالك طقوس يجب أن تحملها في حقيبة دماغك وجسدك أولها التفرغ التام لمشاهدة هذا الفيلم, لا تشاهده وأنت في عجلة من أمرك , هذا فيلم في ساعتين ونيف من الزمن ليس لتقضية وقت فراغ أو استراحة مابين عدة ارتباطات أخرى. وثانيها هو دقة الملاحظة والتركيز, صدقني يا صديقي ستحتاج اليهما كثيرا لتستطيع تفكيك جمجمة نولان ثم تفيكك الأحداث وخطوطها الفرعية لتفهم اللعبة المجنونة وأخرهما أن تكون متيقنا من مشاهدته مرة أخرى وثانية وثالثة ان لم تستطع فهمه من المرة الأولى ( وهذا عمل صعب بحد ذاته نظرا لكمية المعلومات والمزيج المربك بين الحدث الدرامي والزمن كعلم).

فيلم "عقيدة" وباختصار - قبل أن نذهب الى عش الشيطان- هو فيلم يحكي قصة رجل " ذا بروتاجينيست" ضابط استخبارات امريكي سابق صاحب منظمة تسمى " عقيدة" أو تينيت   يسعى يسعى لانقاذ العالم من حرب عالمية ثالثة وكارثة بشرية مزلزلة عبر تعطيل جهاز مدمر يعمل على التفكيك الحراري للجزيئات بحيث تدور أحداث المحاولة هذه أجمعها ضمن الزمن الطبيعي والزمن المعكوس مع تدخل المستقبل كخلفية اساسية في هذه المحاولة وبوجود رجل أخر " أندريه ساتور" الشخصية النقيض الذي يحاول أن يدمر العالم بعدما اكتشف أنه مصاب بمرض السرطان فيقرر أن يفعل الجهاز ويدمر العالم معه بما فيهم زوجته التي تحاول الانتقام منه لاذلالها.

سيناريو الفيلم جدا مميز وجميل وأروع ما فيه هو حبكته المعقدة والمشوقة في أن واحد كما أن اخراج الفيلم جاء مميزا جدا ويرقى لمستوى أحد أفضل عشر مخرجين معاصرين في هوليوود ونعني هنا كريستوفر نولان. حتى مستوى الأفكار في تنفيذ الهجمات القتالية والاشتباكات داخل الفيلم جاءت بطريقة مبدعة ومبتكرة لا سيما وأن عامل الزمن الطبيعي والمعكوس يغذيها. شعور غريب غير معتا البتة بل وابتكاري أن تشاهد حركة الشخصيات ضمن محورين الأول إلى الأمام والثاني إلى الوراء وكلا المحورين مرتبط بتسلسل الأحداث .

حيث استند السيناريو على مبدأ الحدث وتكرار الحدث عكسيا ولكن في بعد زمني أخر ثم احضارهما معا في مشهد واحد يجمع الماضي والحاضر والمستقبل في ثلاثية تحتاج الى كاتب سيناريو محترف ومتمكن فعلا ,  وأتعجب كيف استطاع نولان أن يدمج هذين البعدين ( الطبيعي والانعكاسي) ضمن المشهد الواحد في نص فيلم مدته ساعتين ونيف. مجهود خرافي خارق بلا شك في كتابة هذا النص. كما انه -وكما هو معروف- أن السيناريو الذي يعتمد على تأثيث وإعادة تأثيث المشاهد حسب الفترات الزمنية المختلفة هو أحد أصعب أنواع السيناريو التي تحتاج الى انتباه وتركيز ذهني عال جدا لا سيما في نقطتين هما " لهاث الفكرة" و "الفجوات", حيث أنه لابد لكاتب السيناريو حينما يخلق حدثا يحدث في زمان ومكان ما يقابله / يتماشى معه حدث أخر في زمان ومكان مختلف/ مشابه أن ينتبه الى سد الفراغ في الفجوات التي تنشأ  من ركض عقله المتسمر " لهاث الفكرة"  لصياغة وترتيب الأحداث, وابصم باصابع يدي العشرة أن نولان استغرق وقتا طويلا في مخطط المشاهد والبحوث قبل أن يخط قلمه أول مشهد في السيناريو. وهنا لكم أن تعذروا نولان ان كان قد استغرق خمس سنوات في كتابة النص, ولا تنسو أنه كان يعمل على فيلم أخر في تلك الخمس سنوات وهو فيلم " دنكيرك", فيلمه ما قبل الأخير. عظمة وابداع من عقلية كاتب متمكن. وفي هذا السياق اسمحوا لي بتذكيركم أنه سيناريو فيلم " عقيدة " ليس هو السيناريو الأطول فترة ككتابة, فقبل هذا السيناريو كان هنالك سيناريو أخر وهو سيناريو فيلم انسبشن الذي استغرق نولان حوالي عشر سنوات لكتابته وكانت فكرة الفيلم برأسه مذ كان في السادسة عشر من عمره. إننا نتحدث عن تفرد سينمائي في عالم الصناة السينمائية. هذه هي بصمة نولان الجينية في افلامه. 

كما أن براعة نولان في جانب الممثلين حينما لجأ الى (روبرت باتينسون) كشخصية البطل الخفي الذي يدي الأحداث بطريقة غير مباشرة. حيث نرى روبرت بشخصية البطل الذي يأتي لينقذ بطلنا الأمامي (ديفيد واشنطن) في كل مرة يوشك الأخير أن يُقتل فيها؟ لماذا؟ السبب بدهي جدا ضمن قصة نولان , لو تم قتل ذا بروتاجنست(ديفيد واشنطن) لن يكون هنالك (نيل) روبرت باتينسون.                                                     

فيلم يستحق 9/10 كتقييم شخصي.

وأرشحه لأوسكار : أفضل سيناريو – أفضل إخراج – أفضل تصميم إنتاج


السبت، 5 أكتوبر 2019

JOKER فيلم , المدخل المظلم لكتلة من الضوء






J O K ER
المدخل المظلم لكتلة من الضوء 


اسم الفيلم : المهرج - #الجوكر
المدة : ساعتان ودقيقتان
سيناريو :
اخراج : تود فيليبس
بطولة : خواكين فينيكس , زازي بيتس , روبرت دينيرو ,فرانسيس كونوري وأخرون..
انتاج : 2019 – تود فيليبس , برادلي كوبر واخرون
شركات الانتاج المنفذة : دي سي فيلم, فيليج رودشو واخرون..
النوع : دراما , تشويق مقتبس عن شخصية من دي سي كوكيمز
أفلام من ذات الصلة :
Batman Franchise, Suicide Squad

نحن هنا اليوم لا نتحدث عن فيلم عادي. نحن نتحدث عن أحد اقوى الأفلام المنتظرة في السنتين الأخيرتين . نتحدث عن أحد أعقد الشخصيات التي وُجدت في الكتب الهزلية (الكوميكس) وأشد الشخصيات تركيبا في عالم السينما , شخصية ذات تاريخ طويل تقمصها ألمع نجوم هوليود , سيزار روميرو 1966 مرورا بجاك نيكلسون 1989 عطفا على  هيث ليدجر 2008 انتهاء ب خواكين فينيكس 2019.شخصية قد تشكل منعطفا حادا وخطرا في مسيرة اي فنان يوافق على ادائها, شخصية الجوكر, مجرم مدينة غوثام الساخر العدو الأول لباتمان أحد ابطال السلسلة الشهيرة التي تحمل نفس الاسم والتي تربت عليها أجيال, بالتالي نتحدث عن قاعدة جماهيرية كاسحة من اقصى الكوكب إلى اقصى الكوكب.

وقبل أن نبدا في تقشير لب فيلمنا لهذه السنة , ينبغي علينا أن نسال السؤال الذهبي الذي سأله محبو هذه الشخصية , ما الذي سيقدمه متقمص الدور لهذه السنة ؟ من هو الفنان من الأساس ؟ وكانت الاجابة ( خاكوين فينيكس), ولكي تضع عقلك في جسر تهميدي لتقبل تقمص هذا الاخير لهذا الفيلم المعقد بالذات أنصحك بمشاهدة فيلم مهم ساعد على ترشيحه للفوز بهذا الدور وهو فيلم ( أنت لم تكن هناك حقا) انتاج عام 2017 بطولة النجم ذاته والذي يمكنك من رؤية القدرات الفذة في اللعب على الشخصية المركبة ذات الطبقات المتعددة في دوره بذاك الفيلم.

لنبدأ ولأخذك في انطباع يحتوي ثلاثة نقاط رئيس حول فيلم الجوكر الجديد.

أولا :
الجوكر الشخصية والقصة :العلامة البارزة او البراند التسويقي لتركيبة شخصية مثل شخصية الجوكر هي ضحكته الشريرة المحطمة نفسيا والتي تقمصها وابدع فيها مختلف الممثلين عبر العصور. تلك الضحكة التي لا تدري هل ضحكة فرح ام حزن , قوة أم ضعف.  من هنا, وهنا فقط يأخذك الجوكر اليه, يقتنصك دون أن تشعر لتغيب في غياهب جبه لتبدأ في التساؤل, ما هي المعاناة ؟ ما هو السر خلف الضحكة التي تستضيفها كبريات القنوات التلفزيونية ويقلدها الكبار قبل الصغار. وحينما نغوص في القصة الجديدة التي صاغها لنا كاتبي السيناريو تود فيليبس( مخرج الفيلم) و سكوت سيلفر ندرك أننا أمام رجل مصاب بمرض نفسي مع تقرح عصبي جسدي ناتج من الضرب والتعذيب أيام الطفولة, هذا الرجل هو أرثر فيليك والذي يعيش مع أمه ويعتني بها محاولا أن يكون رجلا صالحا في مجتمع متقلب قاس مما يدفعه الى أن يكون شخصا أخر فيما بعد اثناء رحلته الى اكتشاف الحقيقة بشأن هويته وماضيه. وحينما نفصل القصة سنجد أن مخرج الفيلم وكاتبه ابتكرا منفذا جديدا ذو حبكة رائعة في الإتيان بقصة معقدة ذات خطوط درامية تجمع الماضي والحاضر سارت في تناسق رائع مع التركيز على قوة العمق النفسي للشخصية الواحدة التي تدور حولها جميع الأحداث منذ بداية الفيلم وحتى نهايته مرورا بقضايا مجتمعة معاصرة تم اسقطاها على مجتمع فانتازي سوداوي كئيب كمجتمع مدينة غوثام. وبالحديث عن المكان, هذه المرة لم يصطحبنا كاتبا السيناريو الى غوثام المدينة ذات المباني القوطية والشوارع المدمرة الكئيبة والأجواء المظلمة الملتهبة بمزيج الموسيقي ذات الكريشندو التصاعدي - الجو الذي تعودنا عليه في افلام الرجل الوطواط -  وانما ابتدعا نسخة جديدة للمدينة توازي العصر الحالي ,  طرقات وشوارع مدينة نييورك وأنفاقها . لماذا ؟ لأننا نتحدث هنا عن نمو شخصية وعمق شخصية يجب أن نفهم كيف بدأت بالدخول الى عالم الشر لذلك نحن نحتاج الى لمسات واقعية في المكان والزمان, لمسات تجعلك قريبا من الجوكر ومن غوثام ما قبل الجريمة المنظمة ( التي قادها الجوكر لاحقا بنفسه).
وأنت ترى الجوكر يضحك بالفيلم تشعر بالرغبة في الضحك لحد المعاناة, تبصر أمامك ارثر بداخل الجوكر القادم, الوحشية المطلقة التي أطلقها الخير ذاته.

وكنوع من الكسر والتشويق في القصة, نفاجأ باحتمالية أن يكون توماس واين والد بروس واين ( باتمان) هو الاب الشرعي للجوكر نفسه ( ما بخرب عليكم الفيلم) ولكن هذا الكسر اسهم كثيرا في أن نقترب أكثر من معاناة الجوكر وبداية الانكسار اللارجعي.  وربما هي لمسة المخرج التي يحرص ان يضع فيها بصمته الخاصة وان كانت مغايرة لواقع القصة التي تعودنا عليه.

ثانيا : الجوكر الاخراج
عندما نعلم ان أحد اكبر المخرجين الذي اخرجوا سلسلة باتمان هو كريستوفر نولان الشهير بعوالمه وأسلوبه في اخراج افلام العمق النفسي , وعندما نعلم أن مخرج فيلم الجوكر بنسخته الجديدة هو تود فيليبس الذي يحفل سجله بسلسلة من أفلام الكوميديا مثل هانجوفر 2009  و كلاب الحرب 2016 سنتعجب ما هي المؤهلات التي تجعل من هذا المخرج قادرا على تولي مشروع سينمائي قد يقصي مسيرته نهائيا مثل مشروع فيلم الجوكر؟ والإجابة صريحة وواضحة ( الكوميديا) . فعندما نتحدث عن اصول شخصية الجوكر وكيف بدأت من عالم القصص الهزلية المصورة وافلام الكرتون التي تربينا عليها سنجد أن الكوميديا السوداء ذات الطابع المسرحي هي مؤهلات كافية تماما ليشمر مخرج مثل فيليبس لتولي اخراج فيلم تعود على قوالبه جيدا. ل كان تتخيل مثلا كلينت استوود او ستيفن سبيلبيرغ يقومان باخراج نسخة كوميدية من هذا الفيلم ؟ سيكون بشعا بلا شك .كان الاخراج في هذا الفيلم ملحميا رائعا برائي الشخصي, برع المخرج في استدراجنا عبر مجموعة من اللقطات والمشاهد التي تقربك من الواقع ثم تعيدك الى الفانتازيا ثم تحفر لقدمك عميقا في الذات الإنسانية لشخصية معذبة محطمة يتلاشى كل ماهو جيد في عالمها حتى القدوة , حتى الأم . من أروع المشاهد التي ابدع المخرج فيها هو ذلك المشهد حينما يلتقي بروس واين الطفل بعدوه المستقبلي الجوكر أمام بوابة قصره المنيف, في هذا المشهد نرى الموسيقى , والتمثيل , والاضاءة والصوت واللغة السينمائية حاضرين بقوة وفي تماسك وابداع يجعلك تعيش التهديد القادم للطفل الصغير. تهديد رجل مثل الجوكر ( ليس لديه شيء ليخسره).
أما المشهد الذي سحر لب عقلي فهو  المشهد الذي كان قترب من نهاية الفيلم, المقابلة في البرنامج التلفزيوني الكوميدي,  مذهل بحق  كيف اجاد المخرج في إعطاءنا رؤية واقعية لبرنامج تلفزيوني ببث حي ومباشر بحيث يجعلك تنفصل عن عالم الفيلم والسينما لتدخل عالم التلفزيون والبث الحي.  انتقالية مذهلة تحسب لهذا المخرج وللمصور ايضا.

ثالثا : الجوكر الفلسفة والخطوط العريضة
هنا وفي هذا الفيلم سنشاهد الكثير من البنش لاينز. بشكل مكثف متسق وجميل يجعلنا نحضر قصيدة كأبة وقسوة واحباط وأمل مفقود. في هذا الفيلم سنشاهد كيف يقوم الخير بتوليد الشر ( توماس واين الذي خلق شخصية مثل الجوكر الى شوارع غوثام). كيف يعمل اثنان متضادان في نفسية واحدة. كيف تتحول شخصية ارق من أن تؤذي طفلا الى قاتل مهووس ترافق ضحكاته جرائمه . كيف يسهم المجتمع البشري في خلق وحوش من رحم ذاته ويطرحها الى الشارع ثم يخاف منها.
طوال الفترة الفيلم سنلاحظ ان هنالك صراعا مستعرا طبقيا بين اثنتين من طبقات المجتمع , الأغنياء والفقراء, ولن تلاحظ البتة وجود الطبقة المتوسطة في هذا الفيلم. هي معركة ذات قطب واحد توجهها السلطة والنفوذ والفساد والاعلام تسهم في صنع أبطال ومجرمين قتلة , هل الفقير حينما يطالب بحقه في الوجود يصبح مجرما, وهل يحق للغني أن يصبح بطلا رغم أنوف الجميع ؟ هل توجه وسائل الاعلام عبر برامجها ومنها برنامج ( موراي فرانكلين) الى الحقيقة عبر العاطفة  أم هي سلسلة من الخداع والاستعطاف في طريقها لتخدير المجتمع عن حقوقه ( نسقط عليها برامجا في عصرنا مثلا ايلين شو , ليت نايت شو , اوبرا وينفري....الخ ).
نقاط كثيرة تدور بخلدك وانت تشاهد الفيلم وتلك الكلاسيكية التي تربط الفن بالجريمة, الخير بالشر , التضحية بالأنانية.
وفي هذا السياق, دعوني أخبركم ان افلاما على غرار أفلام باتمان تسببت وبشكل واقعي (حقيقي) في وقوع هجمات مسلحة من المتأثرين بهذه السلسلة من الافلام, خيال يترجم الى واقع وكانت هنالك العديد من الضحايا التي سجلت في واقعة حدثت في الولايات المتحدة الامريكية ابان اطلاق فيلم ( باتمان , فارس الظلام) مما دفع المخاوف هذه المرة في أن تكون هنالك بواعث في فيلم الجوكر تسهم في وقوع حوادث مشابهة. ولقد كان هذا برائي أحد التحديات التي يصعب ان تتغلب عليها بحيث تخلق شخصية لا تجلب الكثير من العنف بل مسالمة نوعا ما ترش حولها مجموعة من توابل الاعذار بسبب المجتمع المحيط لتصبح فيما بعد مجرمة لا تتورع عن القيام بأفظع الجرائم ( اطلاق النار الوحشي على مدنيين في قطار , اطلاق النار على مقدم برنامج على الهواء , قتل رفيق في العمل بسكين في الجمجمة بمنتهى الوحشية حتى الموت ). ولقد فشل وكسب المخرج فيليبس الرهان حسب ظني. فكيف ل كان تظهر الجوكر غير عنيف أو قاس ونحن الذي تشبعنا به مجرما وحشيا نمطيا ؟

لا ابالغ أن قلت ان الفيلم سوف يترشح لعدد من جوائز الاوسكار أولها اوسكار افضل ممثل بدور رئيسي وكذلك افضل اخراج .

النقطة الوحيدة التي تثير استيائي م الموضوع كله والتي قد تشكل تخوفا مشروعا هي ( هل ينبغي لنا ان نلتمس العذر ونتعاطف مع كل مجرم وحشي في المجتمع ؟)

تقييمي
8.9/10
#هيثم_سليمان
#الجميع-يشارك_سينما
@haitham.sulaiman

مدونة سكريبت كت السينمائية